الحياة في اليمن الغارق في الحرب


تميل الصراعات في عصرنا الحديث إلى تحويل البشر إلى مجرد أرقام و تأتي الحروب و تبعاتها على حياة الناس. لكن من يوضح لنا صورة أشمل من العناوين العريضة و التعابير المُتكررة، هم أولئك الذين تضرروا من الصراع دون أن يكونواً طرفاً فيه و الحرب في اليمن هي مثال على ذلك.
 
"في أحد أيام ديسمبر الماضي، سافرت إلى محافظة إب لكي أزور مستشفى لأطباء بلا حدود هناك. دخلت أحد الأقسام لكي أتعرف على المرضى الذين يرقدون في المستشفى حيث أن جزءاً من عملي يقتضي مشاركة قصص للمرضى الذين نستقبلهم لتقرير الوضع الإنساني -  طبعا ً بعد أخذ إذن أولئك المرضى. في غرفة الرقود تلك، رأيت ستة مرضى. اثنان منهم طفلان لا يتجاوز عمرهما التاسعة أو العاشرة، و اثنان منهم شباب في مقتبل العمر ومريض آخر تقريباً في بداية الخمسينات من العمر والأخير كان يرقد في سرير على طرف الغرفة. كان أسمر اللون و نحيلاً و يبدو في الأربعينات من العمر. كل واحد من هؤلاء المرضى لديه قصة مختلفة.
 
لكن نظرات ذلك الرجل الأربعيني المستلقي على السرير كانت ثاقبة على الرغم من أن جسده كان يبدو منهكاً. كان الرجُل يسأل الطبيب باستمرار متى باستطاعته الخروج من المستشفى. قال لي الطبيب أن ذلك المريض اُصيب برصاصة في الصدر لم تتسبب- لحسن الحظ- بوفاته.
 
اقتربت من الرجل وسألته عن الحادثة التي تسببت بإصابته فأجابني بصوت متقطع بأنه بينما كان يقوم بجمع الحطب في منطقة خالية تماماً من أي بشر، أصابته رصاصة من حيث لا يدري. لم يكن هناك أي أحد في الجوار ولم يعرف كيف ومن أين وصلت تلك الرصاصة. الشخص الوحيد الذي كان معه وقت تجميع الحطب هي ابنته ذات الثمانية أعوام.
 
الرجل يُدعى عبد الرحمن وهو من محافظة تعز اليمنية. يبلغ عبد الرحمن من العمر 45 عاماً. أخبرني عبد الرحمن أن مصدر الرزق الوحيد له هو بيع الحطب و أنه المسئول الوحيد عن إعالة أسرته المكونة من زوجته وستة أطفال- يستخدم الكثيرون في اليمن خاصة الأقل دخلاً - الحطب كبديل لغاز الطبخ الذي لم يعودوا قادرين على شرائه.
 
بعد أن أصابته الرصاصة، قام عبد الرحمن بربط الوشاح الذي كان يرتديه حتى يوقف تدفق الدم. لم يكن هناك أي أحد في الطريق لكي يسعفه مما اضطره للمشي هو وابنته لمدة عشرين دقيقة حتى وصل أخيراً إلى صيدلية صغيرة. قام الصيدلاني بعمل إسعاف أولي له ثم تطوع أحدهم بنقله في سيارته الخاصة إلى المستشفى الريفي في محافظة إب- حيث تعمل منظمة أطباء بلا حدود. تم إجراء عملية جراحية لعبد الرحمن لإخراج الرصاصة ثم أُدخل بعد ذلك قسم الرقود في المستشفى- حيث وجدته- للمتابعة الطبية.
 
لم يكن عبد الرحمن قلقاً على نفسه بقدر ما كان قلقاً على عائلته ولم يرد المكوث في المستشفى وقتاً طويلاً. قال لي عبد الرحمن أنه العائل الوحيد لأسرته وأن الوسيلة الوحيدة بالنسبة له لتوفير المال وشراء الطعام هي من خلال بيع الحطب. يجني عبد الرحمن في المتوسط نحو خمسة عشر ألف ريـال يمني في الشهر- أي نحو 50 دولاراً، نعم خمسين دولاراً- مما يعني أنها لا تكفي لإعالته هو وأسرته- لكنه يقول أنها أفضل من لا شيء.
 
عندما أخبرت عبد الرحمن أني أعمل مع منظمة أطباء بلا حدود وأننا نشارك قصص ضحايا الحرب مع متابعينا في مجلات المنظمة أو على المواقع الإلكترونية للمنظمة، وافق على الفور بمشاركة قصته لكن قبل ذلك طلب مني الانتظار حتى يرتدي نفس الملابس التي كان يرتديها عندما أصابته الرصاصة. لا يزال عبد الرحمن يحتفظ بالوشاح الذي ربط به مكان الرصاصة عندما أصابته وبالجاكيت الأسود الذي كان يرتديه وبالمقطب، وهو رداء تقليدي يرتديه بعض اليمنيون كبديل عن البنطال.
 
بعد ما قام عبد الرحمن بارتداء تلك الملابس و بينما كنت أصوره، قال لي: "قبل هذه الحرب، كنا في راحة، نأكل ونشرب ونجد العمل بسهولة، كنا نعيش في أمان واطمئنان وراحة." توقف لحظات ثم استطرد قائلاً " الآن، لا نجد الراحة داخل البيت ولا في خارجه. لا توجد راحة عند العمل ولا عند المنام ولا في أي مكان. لستُ أنا وحدي من يعاني، يعاني أغلب الناس الآن من الحرب. كان الكثير منهم في راحة قبل الحرب أما الآن فلا يجد معظمهم لقمة العيش معظم الأحيان ومن خرج طلباً للرزق، قد يُصاب أو يُقتل خلال ذلك".
 
كان عبد الرحمن يتوقف للحظات بين كل عبارة وأخرى كأنه كان يستذكر تفاصيل الحادثة التي تعرض لها بينما كان يجمع الحطب.
 
و كما قال عبد الرحمن فعلاً، فهو واحد من العديد من المواطنين في اليمن الذين يعانون ويلات الحرب. لم يتطرق عبد الرحمن خلال حديثه معي إلى عدم توفر الخدمات الأساسية مثل الكهرباء فذلك على ما أظن أنه من الكماليات بالنسبة له!
 
شكرت عبد الرحمن على وقته و طلبت رقم هاتفه في حال احتجت للتواصل معه بعد ذلك لكنه قال لي أنه لا يملك هاتفاً. لم ينطقها فقط ولكنه أومأ لي بطريقة كأنه يقول لي أنه لا يستطيع شراء أشياء مترفة مثل ذلك! لم أعرف حقاً ماذا أقول له في تلك اللحظة و ساد الصمت للحظات بيننا.
 
كان بقية المرضى في الغرفة يستمعون إلى عبد الرحمن بينما كان يسرد قصته ولم ينطق أحد منهم كأنهم يستمعون إلى قصة واقعية مباشرة على الهواء. أعتقد أن معظمهم نسي التلفزيون لكن الحرب كفيلة بمشاركتهم قصصاً يكون فيها أقاربهم أو جيرانهم أو هم أنفسهم أبطالها.
 
لم أستطع أن أنسى نظرات عبد الرحمن القوية بينما كان ينظر إلى عدسة الكاميرا مرتدياً نفس الملابس التي كان يرتديها وقت إصابته. كنت أفكر طوال الوقت في قصته وفي أطفاله و زوجته الذين ينتظرون عودته لكي يعود لهم بالطعام بعد بيع الحطب. كنت أقول في نفسي بينما كنت أصوره: ياله من مقاوم! في ذلك اليوم، كان عبد الرحمن قد قضى خمسة أيام في المستشفى.
 
بعد ذلك استأذنت من عبد الرحمن قائلة له أني سأزوره غداً. و ودعته وودعت بقية المرضى في الغرفة. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى غرفة الرقود حيث كان عبد الرحمن. لكن الطبيب قال لي أن حالته قد تحسنت وأنه قد صرح له بالخروج قبل نصف ساعة! حزنت كثيراً لعدم توديعه لكني فرحت أنه نجا من تلك الحادثة وأنه سيعود لعمله البسيط ولعائلته.
عبد الرحمن هو أحد عشرات المرضى الذين قابلتهم وتبادلت معهم الحديث لمشاركة قصصهم مع كل من يهتم لمعرفة القصص الإنسانية في بلد يعاني من الحرب منذ أكثر من 22 شهراً.
 
في اليمن يتفاوت تأثر كل شخص بالحرب لكن الأكثرية هم من أمثال عبد الرحمن، ممن أثرت عليهم الحرب بلا رحمة فلا يجدون عملاً يوفر لهم مصدر رزق كافٍ لتأمين حاجاتهم اليومية الأساسية مثل الغذاء ومصاريف المعيشة. هناك آخرون ممن اضطروا للنزوح من منازلهم التي تؤويهم وتحوي بين جدرانها ذكريات حياتهم. بعض هؤلاء يعلمون أنهم لن يعودوا إلى منازلهم، ببساطة لأنها تدمرت كلياً. وهناك آخرون ممن لا يزالون يعيشون في منازلهم المتواضعة لكنهم لا يجدون ما يسد جوعهم. أذكر أني في أحد المرات قابلت مريضاً قال أن ابنه كان مريضاَ ولم يكن لديه سوى قيمة طعام يومه هو وعائلته. كان عليه أن يقرر إما أن يصرف المال الذي لديه في الطعام أو في استئجار سيارة للذهاب إلى المستشفى. يتخذ الكثيرون في اليمن الآن قرارات مصيرية كهذه بحسب ما يتوفر لديهم من مال وبحسب الأولوية. في كثير من الأحيان تخطئ حساباتهم ويؤثرون شراء الطعام لسد جوعهم على إسعاف مريضهم إلى المستشفى ظناً منهم أنه سيتحسن. في أوقات كثيرة يصل إلى مستشفيات أطباء بلا حدود مرضى في مراحل متقدمة من المرض وتحدث لديهم مضاعفات صحية يجب عليهم التعايش معها لبقية حياتهم نتيجة لذلك أو يفارقون بسببها هذه الحياة.

*المصدر : مجلة أطباء بلا حدود