قصص نجاح

عناق بعد فراق!!!

كان لقاء حميمياً ربما لن يتكرر، اختلطت فيه دموع الفرح والحزن، مشهد العناق كان حاراً ومؤثراً بين الطفل محمد ووالدته بعد فراق دام سبع سنوات.

بدأت مشكلة الطفل محمد وهو في سن الرابعة من عمره، حين كان يتعرض لتعنيف أسري من والده كل يوم.

يؤكد محمد أن والده كان شديد القسوة عليه وعلى اشقائه، قليل الابتسامة في وجوههم، دائما ما يبوخهم ويضربهم بلا رحمه، لا يأبه لبكائهم ولايبالي لصراخهم أو يستجيب لتوسلاتهم، في حين كانت والدته عاجزة عن فعل شيئ لمنع الاب من ضرب اولادها.

استمر الحال كثيراً، بل انه ازداد سوء مع مرور الايام، كان محمد يتألم كثيراً حين يتعرض للضرب المبرح من والده، ويتألم أكثر حين يشاهد اشقائه يواجهون نفس المصير وصراخهم يعج في ارجاء المنزل، لا يكترث أحد لصراخهم.

فكر محمد كثيراً بالهرب من المنزل للنجاة بنفسه من عنف والده، لكن صغر سنه الذي لم يتجاوز حينها الثامنة وحاجته لأمه كانا يقفان امام تنفيذ مخطط الهرب، وعندما تعددت مشاهد الضرب وكثرت اساليب العنف، وزادت وحشية وقسوة الاب، غادر محمد المنزل فاراً من جحيم الاب، عسى ان يشعر بالأمان، لكنه لايعلم الى أين سيذهب.

غادر محمد المنزل، لم يحمل معه شيئ، لا ملابس ولا متاع ولاماء، حط الرحال في عزلة بني لاهب بوادي الضبة مديرية وصاب السافل ليعمل في رعي الاغنام لمدة سبع سنوات.

تم رصد حالة الطفل محمد من قبل راصدي شبكة الحماية التابعة للمركز المجتمعي بمدينة الاحد الذي تديره المؤسسة الوطنية للتنمية والاستجابة الانسانية(NFDHR)ضمن أنشطة مشروع الاستجابة الطارئة لحماية النازحين والاشخاص الاشد ضعفاً الممول من صندوق اليمن الانساني(YHF).

سارع المركز المجتمعي لاقتفاء أثر الطفل والتواصل معه، واقناعه بالحضور الى المركز، لتعرض حالته على الاخصائي الاجتماعي الذي قدم له الدعم النفسي اللازم لإعادة تأهيله والتمهيد لدمجه مع اسرته، كما تم التواصل مع والده وتقديم الدعم النفسي له ايضا، وتوعيته بخطورة تعنيف الاطفال والاثار السلبية على حياتهم، والعواقب المترتبة على استمرار بعد الطفل عن اسرته.

تم احالة الطفل محمد إلى الاخصائي الاجتماعي الذي مهد لعملية صلح اجتماعي، وبعد ثلاثة أشهر من التواصل المستمر مع الأب وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي له، أصبح الاب ينتظر عودة طفله على أحر من الجمر.

توجت تلك الجهود الانسانية بلقاء حميمي جمع محمد وأبيه في مقر المركز المجتمعي، كانت دموع الاب صادقة بعد ان أرتمى محمد في احضانه، وسط تصفيق حار من كادر المركز المجتمعي.
أدرك الاب عواقب العنف الاسري ووعد بعدم تعنيف ابنه مجدداً واعادته الى المدرسة ابتداء من العام الدراسي المقبل لاكمال تعليمه.

لم تنتهي قصة الطفل محمد هنا، فما زال هناك من ينتظره بفارغ الصبر.

رافق الاخصائي الاجتماعي الطفل محمد وابيه الى المنزل، وهناك كانت والدته تنتظر خلف باب المنزل تترقب لحظات وصوله.

يصف الاخصائي الاجتماعي المحامي توفيق حامد لحظات لقاء الام بولدها بالقول: "كان مشهدا مؤثرا حين طرق محمد الباب وفتحت الام لتجد طفلها أمام عينها للمرة الاولى منذ سبع سنوات، سارعت نحوه وجذبته بقوة اليها وضمته الى صدرها وهي تصيح بصوت مصحوب بالبكاء (ولدي .. ولدي) ودموعها تنهمر بغزارة، تقبله بحراره احيانا في رأسه، وتارة في وجه ويديه تاره اخرى، في مشهد لا يتكرر إلا في الافلام السينمائية".
ويضيف " تأثرنا كثيرا بالموقف وبكينا جميعا فرحا بعودة محمد ولم شمله باسرته".